ابن عبد الحكم
88
فتوح مصر والمغرب
وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل ، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض ، وقووا على الخروج من موضعهم . فردّ إليهم « 1 » المقوقس رسله ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم . فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر ، أحدهم عبادة بن الصامت . حدثنا سعيد بن عفير ، قال : أدرك الإسلام من العرب عشرة نفر طول كلّ رجل منهم عشرة أشبار ، عبادة بن الصامت أحدهم . ثم رجع إلى حديث عثمان قال : وأمره عمرو أن يكون متكلّم القوم ، وألّا يجيبهم إلى شئ دعوه إليه إلّا إحدى هذه الثلاث خصال ؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إلىّ في ذلك ، وأمرني ألّا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال * ) . « ( * » وكان عبادة بن الصامت أسود ، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ، ودخلوا عليه ، تقدّم عبادة ، فهابه المقوقس لسواده فقال : نحّوا عنّى هذا الأسود ، وقدّموا غيره يكلّمنى ، فقالوا جميعا : إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا ، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به ، وأمرنا بأن لا نخالف رأيه وقوله ، قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ؟ وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم ، قالوا : كلّا ، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا ، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيّا ، وليس ينكر السواد فينا . فقال المقوقس لعبادة : تقدّم يا أسود ، وكلّمنى برفق ؛ فإني أهاب سوادك ، وإن اشتدّ كلامك علىّ ازددت لذلك هيبة ، فتقدّم إليه عبادة ، فقال : قد سمعت مقالتك ، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود ، كلّهم أشدّ سوادا منى وأفظع منظرا ولو رأيتهم « 2 » لكنت أهيب لهم منك لي ، وأنا قد وليت ، وأدبر شبابي ، وإني مع ذلك بحمد اللّه ما أهاب مائة رجل من عدوّى لو استقبلونى جميعا ، وكذلك أصحابي ، وذلك أنّا
--> ( 1 ) ب : « عليهم » . ( * - * ) قارن بالسيوطى ج 1 ص 111 - 112 وهو ينقل عن ابن عبد الحكم . ( 2 ) ب : « نظرتهم » .